المناوي

472

طبقات الصوفية ( الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية )

النّحرير ، وقد أجبته إلى ما التمس ، وإن كان غنيّا ممّا حصّل واقتبس ، فليدرّس مذهب الشافعيّ لطالبيه ، وليجب المستفتي بقلمه وفيه ، ثقة بفضله الباهر ، وورعه الوافر ، وفطرته الوقّادة ، وألمعيّته المنقادة ، واللّه ينفعني وإيّاه ، ممّا علمناه ، ويرفعنا بذلك لديه فما القصد سواه . وكان كثير التردّد للولاة والقضاة للشّفاعات ، حتى أنّ ولده الشيخ تقيّ الدين أخفى عنه ثوبه ؛ ليمتنع من الذهاب ، فاستشفع به إنسان عند الوالي ، فذهب معه إليه بلا ثوب . وكان شديد الرحمة حتّى أنّه مرّ على كلبة ولدت وماتت ، فحمل أولادها في سجّادته لمنزله ، وما زال يطعمهم اللّبن حتى استغنوا . وجيء بحضوره لناظر الديوان برجل في يوم بارد ، وذكر عنه أنّه امتنع من دفع المكس ، فأمر الناظر بمعاقبته ، فقبّل الشيخ ركبته ، وقال : لا تعاقبوه في هذا البرد ، فعفا عنه . وذهب لمستوفي البلد - وكان نصرانيا - يشفع في إنسان « 1 » . ودخل عليه البدر بن جماعة ، فوجد عليه ثوب جندي ، فسأله عن ثوبه ، فقال : دخل عليّ فقير بثوب لا يواري عورته ، فدفعت له ثوبي ، وجلست بملحفتي ، فوافاني جنديّ ، فدفع إليّ هذا الثوب فلبسته . وحصل غلاء بقوص بحيث صار أهلها لا يقتاتون إلّا بالبقول ، فحلف

--> ( 1 ) أورد الخبر صاحب الطالع السعيد ص : 429 : وأخبرني تقي الدين أيضا أن الشيخ خرج يوما ، وقال : يا تقي الدين ، تعرف بيت المستوفي ؟ وكان بقوص نصرانيّ مستوف ، له صورة وجاه ، قال : فقلت : يا سيدي ، أنت تريد تمشي إلى بيت نصراني ، أنا أروح أحضره إليك ، فقال : لا . فمشيت معه إلى بيت المستوفي ، فطرقت الباب ، فخرجت جارية ، فقلت لها : قولي إن الشّيخ المدرّس على الباب ، فدخلت ، وإذا بالمستوفي قد خرج حافيا ، وقال : يا سيدي ، كنت ترسل خلفي ، فقال : جئتك في حاجة ، هذا فلان السنهوري ، عليه راتب في الزرع ، وهو فقير ، وقد عجز عنه ، فقال : يا سيدي ، أمحو اسمه منه ، وفعل ذلك .